تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة دائماً على تحديث بنيتها التشريعية بما يضمن حماية المجتمع وبناء مستقبل آمن لأجياله الناشئة. وفي هذا الإطار، يمثل المرسوم بقانون اتحادي بشأن الأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح قفزة نوعية في الفلسفة العقابية والتربوية للدولة. فقد استبدل القانون الجديد الفكر العقابي التقليدي القائم على الزجر بـ “منهجية الرعاية والإصلاح”، واضعاً مصلحة الطفل الفضلى فوق كل اعتبار.
يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على أبرز ملامح هذا القانون العصري، وكيف تحول من أداة للعقاب إلى سياج للحماية وإعادة التأهيل.
من هو “الحدث” في نظر القانون؟
يعرّف القانون الجديد الحدث بأنه كل شخص لم يتم الثامنة عشرة (18) من عمره وقت ارتكاب الفعل المخالف للقانون.
وقد قسّم المشرع هذه الفئة إلى مستويين لضمان التعامل السليم مع الإدراك العقلي للطفل:
- الأطفال دون سن الحادية عشرة (11): لا تقام الدعوى الجزائية مطلقاً على الطفل الذي لم يبلغ الحادية عشرة من عمره وقت ارتكاب الجريمة، بل تتخذ بحقه تدابير توجيهية وتربوية فقط.
- الحدث بين سن 11 و18 عاماً: يخضع لإجراءات وتدابير إصلاحية خاصة تتناسب مع سنه ومستوى إدراكه.
الفلسفة الإصلاحية: التدابير البديلة عن العقوبات السجنية
تعد العقوبات البديلة وتدابير الإصلاح جوهر القانون الجديد؛ حيث يرى المشرّع الإماراتي أن إيداع الطفل في المنشآت العقابية التقليدية قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويدفعه نحو الجريمة بدلاً من تقويم سلوكه. لذلك، نص القانون على مجموعة من التدابير التأهيلية التي يملك القاضي فرضها بدلاً من الحبس، ومنها:
- التوبيخ والتسليم: توجيه لوم مباشر للحدث من قبل القاضي، وتسليمه لولي أمره أو حاضنه القانوني بعد أخذ تعهد رسمي بالاهتمام بتربيته ومراقبة سلوكه.
- الاختبار القضائي: وضع الحدث تحت إشراف مراقب اجتماعي لفترة محددة للتأكد من انضباط سلوكه ومواظبته على الدراسة أو العمل.
- الخدمة المجتمعية: إلزام الحدث بأداء أعمال تخدم المجتمع لفترة محددة (مثل تنظيف الشواطئ، مساعدة كبار السن، أو تشجير الحدائق)، مما ينمي لديه روح المسؤولية والمواطنة الصالحة.
- الإلزام بالتدريب المهني أو التعليم: توجيهه لتعلم حرفة أو الاستمرار في مؤسسة تعليمية متخصصة لضمان اندماجه في سوق العمل مستقبلاً كفرد منتج.
حماية الأطفال “المعرضين للجنوح”
من أهم الإضافات التي جاء بها القانون الجديد هو عدم الانتظار حتى يرتكب الطفل جريمة لكي يتدخل القانون. فقد وضع تشريعات صارمة لحماية الأطفال المعرضين للجنوح (مثل الأطفال الذين يعانون من إهمال أسري شديد، أو المتسربين من المدارس، أو الذين يتواجدون في بيئات تشجع على الرذيلة أو تعاطي المؤثرات العقلية).
في هذه الحالات، تتدخل سلطات الرعاية الاجتماعية والنيابة العامة لاتخاذ تدابير وقائية تحمي الطفل وتنقذه من الانزلاق إلى طريق الجريمة، مع فرض عقوبات صارمة على أولياء الأمور الذين يثبت تقصيرهم المتعمد في رعاية أبنائهم.
خصوصية الإجراءات وسريتها المطلقة
يكفل القانون سرية تامة لجميع إجراءات التحقيق والمحاكمة الخاصة بالأحداث:
- تُعقد جلسات محاكم الأحداث بشكل سري ولا يسمح بحضورها إلا للحدث، وولي أمره، والمحامي، والباحث الاجتماعي.
- يُحظر تماماً نشر اسم الحدث أو صورته أو تفاصيل قضيته في وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، لحمايته من الوصمة الاجتماعية ومساعدته على بدء حياة جديدة بنجاح.
نصيحة قانونية: يحتاج التعامل مع قضايا الأحداث إلى فهم عميق ليس فقط للقانون، بل للبعد النفسي والتربوي للطفل. إذا تعرض طفلك لأي مساءلة قانونية، فإن الاستعانة بمحامٍ متخصص في قضايا الأحداث يضمن التعامل مع الموقف بأعلى درجات السرية والاحترافية، وتوجيه القضية نحو المسار التأهيلي الذي يحمي مستقبله التعليمي والمهني.
لأي استشارات قانونية في هذا الشأن لا تتردد بالتواصل مع أفضل مكتب محاماة في دبي – مكتب سعيد المهيري للحلول القانونية.
